الخبر
وجه مشروع موازنة السنة المالية الجديدة 2026-2027 ما يمثل 64% من الاستخدامات إلى مخصصات سداد القروض والفوائد، في حين مثّل الاقتراض 49.1% من الموارد وفق البيان التحليلي للموازنة الذي اطلع عليه موقع مدى مصر. وأوضح الموقع أن “الاستخدامات” مفهوم أوسع من “المصروفات”؛”إذ تشمل، إلى جانب الأبواب الستة (الأجور، شراء السلع والخدمات، الدعم والمنح، الاستثمارات، الفوائد، والمصروفات الأخرى)، مخصصات سداد القروض وحيازة الأصول المالية. وأشار الموقع إلى أن الفوائد وحدها تستحوذ على 47% من المصروفات، فيما لم تتجاوز مخصصات الصحة والتعليم 50% و28% على التوالي من النسبة الدستورية المقررة. وتراجع متوسط سعر الفائدة المستهدف على الأذون والسندات إلى 18%، مقابل 22% في السنة الجارية و27% في السنة الماضية. وتأتي هذه الأرقام في موازنة هي الأكبر في تاريخ مصر، بمصروفات 5.1 تريليون جنيه وإيرادات مستهدفة 4 تريليونات جنيه، مع سعي الحكومة إلى خفض العجز الكلي إلى 4.9% ونسبة الدين إلى 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027.
الإشارة
- تعكس هذه الأرقام استمرار وقوع المالية العامة في حلقة إعادة تدوير الدين، بحيث يصبح الاقتراض الجديد ليس أداة لتمويل الاستثمار أو توسيع الإنفاق التنموي، بل شرطًا لسداد التزامات دين قائمة. ورغم أن الحكومة تعرض مشروع الموازنة بوصفه انتقالًا من الدين إلى الاستدامة، مع زيادة مخصصات الحماية الاجتماعية والأجور، فإن الوزن الفعلي لخدمة الدين يحد من قدرة هذه الزيادات على إحداث أثر اجتماعي واسع. فالإنفاق على الدعم والأجور يبدو سياسيًا ضروريًا لاحتواء آثار التضخم والحرب الإقليمية، لكنه يبقى محاصرًا بأولوية الدائنين وبحاجة الدولة الدائمة للحفاظ على جاذبية أدوات الدين، ما يبقي على أولوية إدارة السيولة قصيرة الأجل، بدلا من إعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية.
- ورغم أن الحكومة تراهن على أن خفض البنك المركزي لأسعار الفائدة (من 27% إلى 18%) سيُخفّف عبء الفوائد تدريجيًا، فإن هذا الرهان يبقى هشًا لسببين: الأول أن أي صدمة خارجية (مثل ارتفاع أسعار الطاقة، تراجع تحويلات العاملين، اضطراب الملاحة في البحر الأحمر) قد تُجبر المركزي على عكس مساره. والثاني أن خفض الفائدة محليًا لا يعالج عبء الدين الخارجي المُقوّم بالعملات الأجنبية، والذي يخضع لتقلبات سعر الصرف وللفائدة العالمية. والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النمط يُقلّص هامش القرار السيادي للدولة، إذ تصبح خياراتها الاقتصادية والاجتماعية مرهونة بشروط الدائنين – سواء كانوا صندوق النقد أو حاملي السندات أو الدول الخليجية – بدلًا من أن تكون انعكاسًا لأولويات تنموية مستقلة.
- وهكذا فإن الموازنة المقبلة ستكون شديدة الحساسية لأي انحراف في افتراضات الفائدة أو سعر الصرف أو التضخم. فإذا لم يتراجع التضخم بالوتيرة المتوقعة، أو اضطر البنك المركزي لإبطاء خفض الفائدة، أو استمر الجنيه أضعف من السعر المستخدم في إعداد الموازنة، فقد تتسع فاتورة الفوائد، ومن ثم ستلجأ الحكومة إلى اقتراض إضافي، وربما إلى زيادات ضريبية أو خفض تدريجي للدعم، بما قد يؤدي لمزيد من التوتر الاجتماعي.
- بالإضافة لذلك؛ فإن استمرار تراجع مخصصات الصحة والتعليم، يعني أن الدولة تُحوّل مواردها من الاستثمار في الإنسان إلى تمويل الدائنين. ويتفاقم هذا الخلل مع ما رصدته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من أن الحكومة تضيف نسبًا من فوائد الدين إلى مخصصات التعليم والصحة، رغم أن هذه الأموال لا تدخل خزائن المدارس أو المستشفيات، أي أن النسب المُعلنة نفسها ربما تكون مُضخّمة محاسبيًا. وتتقاطع هذه الفجوة مع خفض دعم المواد البترولية بنسبة 79% (من 75 مليار جنيه إلى 15.8 مليار)، ما يعني تحميل المواطن فاتورة مزدوجة، تتمثل في تآكل الخدمات العامة (الصحة والتعليم) مع تحمل أعباء معيشية متصاعدة.
والخلاصة، أن هذا النهج الاقتصادي المستمر يفاقم ثلاثة مخاطر رئيسية:
أولا، اقتصاديًا: تراجع الاستثمار في رأس المال البشري (تعليم، صحة، بحث علمي) بما يُضعف الإنتاجية المستقبلية، ويُكرّس الاعتماد على الريع والاقتراض بدل الإنتاج.
ثانيا، اجتماعيًا: اتساع فجوة عدم المساواة، إذ تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة الجزء الأكبر من العبء عبر الضرائب غير المباشرة وارتفاع تكلفة الخدمات.
ثالثا، سياسيًا: تراكم الاحتقان الناتج عن الفجوة بين الخطاب الرسمي حول حماية المواطن، وواقع التضييق على الإنفاق الاجتماعي، واستمرار تجاهل التزامات دستورية صريحة، فضلا تآكل الطبقة الوسطى التي تُشكّل عادةً عامل استقرار سياسي.




