نظرة يناقش منظومة الإفتاء في مصر ودعم الدولة عبر الفتاوى وحقيقة تسييسها

التاريخ : السبت 26 أغسطس 2023 . القسم : ديني

مضامين الفقرة الأولى: منظومة الإفتاء

قال الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، إن تنزيل الأحكام الشرعية وتطبيقها على واقع الناس أمر دقيق، لا بد معه من إدراك الواقع، والإحاطة به، من خلال منظومة كاملة من العلوم، وتحرِّي الواقع الاجتماعي والفكري، ومعرفة عالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار، وعلاقات تلك العوالم بعضها بالبعض، فمن كان معزولًا عن الواقع، أو لا يتابعه، أو يتابعه بصورة سطحية؛ فإن فهمه للشرع الشريف سيكون في المقابل منقوصًا ومشوَّهًا.

وأضاف أن البناء العلمي للأمة يتم ويكتمل بالاستفادة من خبراتها السابقة، بما يناسب حاضرنا وليس بهدم المرحلة المباركة من عمر الحركة المذهبية، التي استطاعت أن تحتوي الجميع، وأن تصبغهم بصبغتها الوسطية الرافعة للحرج عن الأمة، الآخذة بيدها نحو كل ما هو يسير وسهل بفضل مسيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي نُقلت لنا عن طريق الصحابة ثم التابعين في انسياب تام وتعاون ملموس.

وشدد على ضرورة مراعاة الوسطية في النقل من التراث الفقهي والإفتائي عند التعامل مع الواقع والمستجدات؛ فيجب أن تتم دون غلو أو تفريط، مضيفًا أنه من العوار أن نستصحب ما كان لما هو كائن الآن وبعقل ليس فاهمًا، وكذلك من الخطأ رفض ما قعَّده المفتون والفقهاء وما تركوه لنا من ثروة فقهية بصورة كلية بدعوى تغيُّر الزمان والمكان، فمن دعا للاستغناء عن هذا التراث الإفتائي جملةً وتفصيلًا فقد ضاع وضيَّع غيره وضل الطريق، فلا بد من الاستفادة من هذا التراث ولكن بعقل منفتح، مشيرًا إلى أنه عند تدريب الطلاب الجديد في مجال الإفتاء ندربهم على قراءة وفهم الفتاوى القديمة من أجل تعلم المنهجية العلمية فقط برغم تغير معتمد وأحكام أغلب الفتاوى القديمة بسبب سياقاتها وأحوالها المختلفة.

واستعرض جانبًا من أولويات الدار في الفترة المقبلة ومنها تعزيز التطور الملحوظ في التحول الرقمي داخل دار الإفتاء المصرية، بما يعين على إيصال رسالتها إلى كل مكان من خلال تطبيقات ووسائل إلكترونية متعددة تسهل البحث ومتابعة ما يتعلق بالشأن الإفتائي، مثل التوسع في الخدمات الإفتائية على منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك إتاحة إمكانية الحجز المسبَّق للمواعيد لطالبي الفتوى الشفوية من خلال بوابة الدار الإلكترونية، مؤكدًا أن هذه الخدمة تأتي مواكبةً للتقدم التكنولوجي وللتسهيل على المستفتين الراغبين في زيارة دار الإفتاء المصرية للحصول على الأجوبة الوافية لأسئلتهم، كما تهدُف دار الإفتاء المصرية من هذه الخدمة إلى راحة المستفتين وتقليل أوقات الانتظار والحد من أوقات تكدس السادة الزوار، ومساعدة المستفتي القادم من أماكن بعيدة على الحصول على طلبه من أول زيارة، وكذلك تتيح هذه الخدمة لطالبي الفتوى اختيار الموعد الملائم لهم ولظروفهم الخاصة وتمكنهم من تغيير الموعد أو إلغائه.

واستعرض تفاصيل أحدث النظم التي تطبقها الدار والتي تمكنه شخصيًّا من متابعة وتقييم منظومة الرد على الفتاوى مشيدًا بالدور الذي يقوم به أمناء الفتوى ومشيرًا إلى أنه يقوم بالتوقيع شخصيًّا على بعض الفتاوى كالتي ترسل للجهات والمؤسسات الرسمية.

وأكد استمرار الدار في الاهتمام بملف الأسرة وقايةً بتقديم المزيد من دورات الإرشاد الزواجي، وعلاجًا بحماية الأسرة من التفكك والضياع بتوضيح الحكم الشرعي المنضبط الذي يحافظ على الأسرة إيمانًا من الدار بأهمية الأسرة المستقرة؛ لأن ترابط المجتمع أساسه ترابط الأسرة، فإن لم تكن الأسرة مترابطة أصيب المجتمع بخلل شديد.

وتحدث عن خطة الدار التي تعمل على التوسع في إنشاء فروع جديدة بالمحافظات؛ تسهيلًا على المواطنين بالمحافظات المختلفة من أجل الفتاوى التي تتطلب حضورًا أمام أمين الفتوى.

ووجه الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، على تجديد الثقة به وبقائه في منصب مفتي الديار المصرية، معقبًا: «وسام على صدري، ألتمس أن أقدم شيئًا للإسلام في مشارق الأرض ومغاربها». وقال إن دار الإفتاء ماضية في رؤيتها التي تعبر عن تحضر وفهم الرسالة المحمدية، والوصول إلى مصالح الناس، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي، بالإضافة إلى التبصير بقضايا الأمة التي اختطفت لفترة طويلة. وتابع بأن التفسير لدى البعض حول الدين الإسلامي كان مبنيًا على مفاهيم وتعاليم غير صحيحة، وتجديد الثقة يحملنا الكثير من المسؤوليات في المرحلة المقبلة.

مضامين الفقرة الثانية: تسييس الفتوى

قال الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية، إننا لسنا مع تسييس الفتوى، ولم تكن الفتوى الرشيدة بمفهومها الحقيقي كذلك يومًا من الأيام. وأضاف أن دعم الدولة ومؤسساتها الرسمية وقادتها الأكفاء ودعم المصلحة العامة لا يُعد من تسييس الفتوى، بل تسييس الفتوى هو استخدامها. وأشار إلى أن الفتوى الرشيدة لا تركز على جانب واحد دون الآخر بل تهتم وتأخذ في الاعتبار كل جوانب الحياة، وتعد أداة مهمة لتحقيق الاستقرار في المجتمعات ومحاربة الأفكار المتطرفة، مبينًا أن الفتوى الشرعية النابعة عن فهمٍ صحيح للنصوص وإدراكٍ حقيقي للواقع تمثِّل ركيزة أساسية في مسيرة استقرار المجتمعات والبناء والعمران القائمة على العلم والعمل والإتقان؛ وذلك لما تقوم به من دورٍ كبيرٍ في إرشاد الأمة وتوجيه أفرادها نحو المساهمة الجادة والمنضبطة في تحقيق أحكام الإسلام ومقاصده، مع مراعاة سمات التحضر واتباع الوسائل التي تؤدي إلى عمارة الأرض.

وشدد فضيلته على أنه ينبغي الحفاظ على الدولة الوطنية، مؤكدًا أنه لا فرق بين قيمة حب الوطن وقيمة حب الدين، ولا تعارض بينهما، بل هما متجذران في أعماق النفس البشرية، وحب الوطن والدين هي دوائر ليست متقاطعة، بل دوائر متكاملة، والدين يحث على حب الوطن والدفاع عنه.

وأكد أن الفتوى ليست عملًا بسيطًا، بل هي أمر مركب موقوف على ترتيب مقدماتٍ، وإعمال فكرٍ، وإمعان نظرٍ؛ للوصول إلى المطلوب، ومن هنا جاء قول العلماء إن الفتوى صنعة؛ يقصدون به أنها عملية دقيقة، تتطلب من القائم بها أن يكون عالمًا بالشرع الشريف؛ بإدراك المصادر، وفهمها، وإنزالها على الوقائع المتجددة التي لا تنتهي حتى يوم القيامة.

وحول مدى انزعاج مفتي الجمهورية من الهجوم على شخصه وعلى دار الإفتاء المصرية جراء محاربة الأفكار المتطرفة والفتاوى الشاذة قال إنه لا يأبه لأية حملات مغرضة ولا نلتفت إلا إلى الإنسانية، ويفخر بالوقوف في صف الوطن وخدمة الدين والإنسانية؛ فدائمًا الأعمال الجادة والهادفة يتم استهدافها.

وقال إنه يجب شرعًا المحافظة على الدولة الوطنية بحدودها. وأضاف أنه يجب بذل الغالي والنفيس في سبيل هذه الحدود، والمحافظة على مقومات الدولة. وأفاد بأن دار الإفتاء المصرية عندما تصدر فتوى فهي تراعي تحقيق الاستقرار، وأن تكون الفتوى منيرة ومضيئة للمجتمع، وتحقق مصالح الإنسان. وأشار إلى أنه لا فرق ولا تقاطع بين حب الوطن وحب الدين، مؤكدًا أن قضية التراب الوطني تعد من أدبيات الجيش المصري، مبينًا أن الدماء تُراق في سبيل المحافظة على هذا التراب، وهي قيمة كبيرة لا يوجد تقاطع بينها وبين الدين، مؤكدًا أن الدين يُحبذ على هذا الأمر. ونوه بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يحمي الوطن مكانيًا ومعنويًا، مؤكدًا أهمية قضية الوطن وهو ما تلتفت إليه دار الإفتاء.