واشنطون بوست: مصر تكثف حملتها القمعية قبل القرار الأمريكي بشأن المساعدات العسكرية

التاريخ : السبت 09 سبتمبر 2023 . القسم : ترجمات

نشرت صحيفة واشنطون بوست تقريرًا أعدَّاه كلير باركر وميسي رايان يتناولان فيه ما وصفاه بتكثيف مصر للحملة القمعية قبل القرار المرتقب بشأن المساعدات العسكرية لمصر.

تستهل الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن السلطات المصرية نفذت موجة من الاعتقالات استهدفت منتقدين قبل قرار أمريكي محوري بشأن المساعدات العسكرية - يُنظر إليه على أنه مؤشر رئيس على كيفية موازنة إدارة بايدن بين المصالح الأمنية والسياسية ومخاوف حقوق الإنسان في سياستها الخارجية.

أثارت حملة القمع، التي تقول جماعات حقوقية إنها رمز لتفاقم القمع في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، المخاطر المحيطة بالمداولات الجارية من وزارة الخارجية الأمريكية، التي يجب أن تقرر بحلول 14 سبتمبر ما إذا كانت ستحجب جزءًا من حوالي 1.3 مليار دولار. من المساعدات العسكرية السنوية لمصر.

انقسام المشرعين

وأشارت الصحيفة إلى أن القرار الذي يلوح في الأفق أدى إلى انقسام المشرعين الأمريكيين؛إذ يدفع البعض الإدارة لحرمان القاهرة من حصة الـ 320 مليون دولار كاملة من المساعدات السنوية المشروطة بحقوق الإنسان. وفي المقابل، يعارض آخرون شروط حقوق الإنسان لمصر، نظرًا لنفوذها الإقليمي وموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين إفريقيا والشرق الأوسط.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بموجب القواعد الأساسية التي وضعتها الوزارة، إن المسؤولين يشجعون مصر على تمكين المجتمع المدني وحماية حقوق الإنسان والحريات والإفراج عن السجناء السياسيين.  

أصدر السيسي، وهو جنرال سابق يصارع اقتصاد متأزم وسخط متزايد بينما يستعد للترشح لإعادة انتخابه، عفوا عن عدد من السجناء السياسيين البارزين هذا الصيف، بما في ذلك الباحث في مجال حقوق الإنسان باتريك جورج زكي والمحامي محمد الباقر. وأشاد وزير الخارجية أنتوني بلينكن بالإفراج عن ناشط الربيع العربي أحمد دومة الشهر الماضي بعد ما يقرب من عقد من الزمن خلف القضبان.

حملة قمعية مستمرة

لكن، وحسب ما تضيف الصحيفة، تقول جماعات حقوقية إن إطلاق سراح بعض السجناء السياسيين البارزين صرف الانتباه عن حملة قمع أوسع على الخطاب والنشاط السياسي، المقيدين بالفعل بشدة في مصر.

وفي الأسابيع الأخيرة، اعتقلت السلطات شخصية معارضة بارزة، واعتقلت والد صحفي منفي، وأعادت اعتقال محمود حسين، الذي أصبح يُعرف باسم «محتجز القميص» بعد اعتقاله في عام 2014 لارتدائه قميصًا كتب عليه «دولة بلا تعذيب».

قال عمرو مجدي، كبير الباحثين في منظمة هيومن رايتس ووتش: «لا أرى أي دليل أو مؤشر على إحراز تقدم في مجال حقوق الإنسان في مصر - ليس هذا العام وليس العام الماضي».

تراجع الحريات

وأشارت الصحيفة إلى أن مصر، التي كانت واحدة من أكبر المستفيدين من المساعدات العسكرية الأمريكية، كان يُنظر إليها منذ فترة طويلة على أنها حليف استراتيجي في منطقة مضطربة. وتلعب القاهرة دورًا رئيسا في الوساطة بين الفلسطينيين وإسرائيل، ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن تقود تحولًا إقليميًا في دعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا.

لكن في عهد السيسي، الذي تولى السلطة بعد انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي في 2013، أصبحت مصر واحدة من أقل الدول حرية في العالم، بحسب فريدوم هاوس.

قال سيث بيندر من مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط: «أزمة حقوق الإنسان في مصر هي المحرك الرئيس لعدم الاستقرار في البلاد، وبالتالي يجب أن تكون أولوية للأمن القومي للولايات المتحدة».

قبل عام، حجب المسؤولون الأمريكيون 130 مليون دولار من أكثر من مليار دولار من المساعدات السنوية، لكنهم قرروا أن مصر استوفت شروطًا لشريحة منفصلة قدرها 75 مليون دولار. وقام سناتور ديمقراطي في وقت لاحق بمنع المبلغ الأصغر، والتدقيق المتزايد في الكونجرس يعني أن حصة أكبر من حزمة المساعدات أصبحت الآن مرتبطة بشروط.

محاولات لتحسين الصورة

وأضافت الصحيفة أن السيسي، ومنذ أن تولى بايدن منصبه، اتخذ خطوات جرى الإعلان عنها على نطاق واسع لتحسين صورة مصر، بدءًا من الكشف عن استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان في عام 2021. ودعا العام الماضي إلى حوار وطني يسمح لشخصيات المعارضة والمجتمع المدني بمناقشة التحديات التي تواجه البلاد واقتراح إصلاحات.

لقد خلق الحوار مساحة نادرة للتعبير النقدي. لكن بعض الموضوعات - بما في ذلك أي شيء يجري تعريفه على أنه مسألة «أمن قومي» - محظورة صراحة. والإسلاميون ممنوعون من المشاركة كذلك.

منحت لجنة العفو الرئاسي المشكلة حديثًا العفو لبعض السجناء السياسيين. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أصدرت هيئة الحقوق الرسمية الحكومية تقريرًا، بناءً على ثلاث سنوات من العمل، أوصى بحدود للاحتجاز قبل المحاكمة وتعزيز الإجراءات القانونية الواجبة.

وقالت مشيرة خطاب رئيسة المجلس في مؤتمر صحفي الأحد إن المجلس «يضغط بشدة» على المسؤولين لإنهاء الاعتقالات المتعلقة بالتعبير عن الرأي. وقالت إن الهيئة تأخذ على محمل الجد كل ما يقرب من 10000 شكوى من انتهاكات حقوق الإنسان التي تلقتها.

واضافت أن هناك خطوات حاسمة اتخذتها الدولة. لكن ثقافة حقوق الانسان لا تزال ضعيفة. وقالت: «نحن بحاجة إلى فعل المزيد».

حتى في الوقت الذي سعى فيه السيسي إلى تحسين صورته، أدت الملاحقات الجنائية لمنتقديه والقيود الجديدة المفروضة على المنظمات غير الحكومية إلى تفريغ المجتمع المدني.

تراجع مستمر

ونقلت الصحيفة عن عمرو مجدي أن عشرات الآلاف من السجناء «المحتجزين ظلما» لا يزالون خلف القضبان، حيث تنتشر تقارير التعذيب على نطاق واسع. وقال إنه عندما يخرج المعتقلون، يكافح الكثيرون للاحتفاظ بوظائفهم أو إعادة الاندماج في المجتمع.

من أصل 320 مليون دولار مرتبطة بالتقدم في المجال الحقوقي، تتوقف 85 مليون دولار على إحراز مصر «تقدمًا واضحًا ومتسقًا في إطلاق سراح السجناء السياسيين، وتزويد المعتقلين بالإجراءات القانونية الواجبة، ومنع ترهيب ومضايقة المواطنين الأمريكيين».

لا تصدر مصر إحصاءات عن نزلاء السجون، ولم ترد وزارتا العدل والداخلية على طلبات التعليق.

تقدر المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وهي منظمة لحقوق الإنسان مقرها القاهرة، أن السلطات المصرية أطلقت سراح حوالي 1800 سجين سياسي منذ يناير 2022، بينما اعتقلت أكثر من 4000 منذ أبريل من العام الماضي.

وقال محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية: «في العام ونصف العام الماضيين، مقابل كل إطلاق سراح واحد، ألقت السلطات القبض على ثلاثة جدد. نحن نتراجع».

كما وثقت منظمته 821 حالة خلال العام الماضي من الاختفاء القسري، عندما يختفي الناس ببساطة لأشهر أو سنوات في كل مرة.

لا يزال بعض أشهر السجناء السياسيين في مصر في السجن، بمن فيهم الناشط المصري البريطاني علاء عبد الفتاح، الذي أصبحت قضيته محل اهتمام خلال قمة المناخ كوب 27 العام الماضي في شرم الشيخ.

في الأسبوع الماضي، حُكم على محمد عادل، المتحدث السابق باسم حركة شبابية مؤيدة للديمقراطية نشطة في ثورة 2011 المصرية، بالسجن أربع سنوات بتهم تتعلق بحرية التعبير. وقد أمضى بالفعل خمس سنوات في الحبس الاحتياطي.

في أغسطس، اعتقل هشام قاسم، زعيم ائتلاف معارض شُكّل حديثًا وناشر سابق لصحيفة مصرية بارزة، بتهمة التشهير بوزير سابق والاعتداء اللفظي على ضباط الأمن. وتصف الجماعات الحقوقية المزاعم بأنها سخيفة.

في غضون ذلك، قال محمد سلطان، المدافع عن حقوق الإنسان، إنه يخشى على حياة والده، صلاح سلطان، الأكاديمي السابق المقيم في الولايات المتحدة والمسجون في مصر منذ 2013.

وقال سلطان «نخشى ألا يعيش إلى العام المقبل»، زاعمًا أن السلطات أهملت مشاكل والده الصحية. وألقى باللوم على إدارة بايدن في إثارة قضية والده ثم فشلها في الضغط بقوة كافية للإفراج عنه. وقال: «الآن، سيتطلب الأمر قيادة وشجاعة هائلة من الآخرين لإنقاذ حياة والدي».

هذا الصيف، ناشدت مجموعة من 11 عضوًا ديمقراطيًا في مجلس الشيوخ بقيادة السناتور كريس مورفي بلينكين حجب مبلغ 320 مليون دولار بالكامل.

وقال مورفي: «إذا كانت الإدارة تهتم بحماية حقوق الإنسان وتعزيز المصالح الأمريكية طويلة الأجل في مصر، فعليها حجب كامل مبلغ المساعدات العسكرية».

وقالت الصحيفة إن القرار بشأن المساعدة الأمريكية يأتي في منعطف حرج للسيسي، الذي من المتوقع أن يترشح لإعادة انتخابه مطلع العام المقبل. يصارع المصريون تضخمًا قياسيًا وتزايد الفقر ونقصًا في العملة الصعبة.

ويخيم قرار المساعدات على أولويات الولايات المتحدة الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط، بما في ذلك دفع التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل ومواجهة التقدم الإقليمي لبكين وموسكو.

قال ستيفن كوك، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، إن الولايات المتحدة تواصل تقديم المساعدات السنوية بدافع «العادة وقدر من الخوف».

وقال كوك: «لا تزال الولايات المتحدة ملتزمة لأنه لا توجد بدائل. واشنطن لا تريد أن تنهار مصر».

وأضاف: «أظن أن فريق بايدن يرى المساعدة وسيلة لإبعاد مصر عن الصين وروسيا. ولن ينجح ذلك. يريد المصريون تعزيز العلاقات مع الدول الثلاث"، وفق ما تختم الصحيفة.